مؤيد الدين الجندي
503
شرح فصوص الحكم
الأدب والوقوف بمقتضى الحقائق . قال - رضي الله عنه - : « قال أبو السعود لأصحابه الموقنين « 1 » به : إنّ الله أعطاني التصرّف منذ خمس عشرة سنة ، فتركناه تطرّفا « 2 » ، هذا لسان إدلال ، وأمّا نحن فما تركناه تطرّفا - وهو تركه إيثارا - وإنّما تركناه لكمال المعرفة ، فإنّ المعرفة لا تقتضيه بحكم الاختيار [ فمتى تصرّف العارف بالهمّة في العالم ، فعن أمر إلهيّ وجبر لا باختيار ] ، ولا شكّ أنّ مقام الرسالة يقتضي التصرّف لقبول الرسالة التي جاء بها ، فيظهر عليه ما يصدّقه عند أمّته وقومه ، ليظهر دين الله ، والوليّ ليس كذلك ، ومع هذا فلا يطلبه الرسول في الظاهر ، لأنّ للرسول الشفقة على قومه ، فلا يريد أن يبالغ في ظهور الحجّة عليهم ، فإنّ في ذلك هلاكهم ، فيبقي عليهم ، وقد علم الرسول أيضا أنّ هذا الأمر المعجز إذا ظهر للجماعة منهم من يؤمن به عند ذلك ، ومنهم من يعرفه ويجحده ، ولا يظهر التصديق به ظلما وعلوّا وحسدا ، ومنهم من يلحق ذلك بالسحر والإيهام . فلمّا رأت الرسل ذلك ، وأنّه لا يؤمن إلَّا من أنار الله قلبه بنور الإيمان ، ومتى لم ينظر الشخص بذلك النور المسمّى إيمانا ، فلا ينفع في حقّه الأمر المعجز ، فقصرت الهمم عن طلب الأمر المعجز ، لما لم يعمّ أثرها في الناظرين [ و ] لا في قلوبهم ، كما جاء في حق أكمل الرسل وأعلم الخلق وأكملهم في الحال * ( إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ ) * « 3 » إلى صراط مستقيم « ولو كان للهمّة أثر ، ولا بدّ ولم يكن أحد أكمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعلى ولا أقوى همّة منه وما أثّرت في إسلام أبي طالب عمّه ، وفيه نزلت الآية التي ذكرناها ، ولذلك قال في الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه ما عليه * ( إِلَّا الْبَلاغُ ) * « 4 » وقال : * ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ
--> « 1 » في بعض النسخ : المؤمنين . « 2 » في بعض النسخ : تظرّفا . « 3 » القصص ( 28 ) الآية 56 . « 4 » الشورى ( 42 ) الآية 48 .